الشيخ محمدجواد البلاغي النجفي

69

آلاء الرحمن في تفسير القرآن

لأن ترفع حكمة قبحه . ولو حاول أحد أن يد على العقل باب هذا الوجدان كان ذلك منه سفسطة سخيفة تسد على العقل باب احكامه وذلك باطل بالضرورة . على أن هذا الاحتمال والتجويز للحكمة يرد عليهم بنحو لا مخلص لهم منه أبدا فإنهم بإنكارهم للقبح العقلي وامتناع صدور القبيح من اللَّه قد سدّوا على أنفسهم باب العلم بصدق النبوات وبأن اللَّه لا يظهر المعجز على يد الكاذب وبصدق الكتب الإلهية وما فيها من تقديس اللَّه وأمر القيامة والنعيم والعذاب والجنة والنار فإن قالوا إنا نعرف من عادة اللَّه انه لا يكذب جلّ وعلا ولا يظهر المعجز على يد الكاذب . قلنا عليهم أولا لماذا لا تجوزون أن تكون هناك حكمة تسوغ مخالفة العادة وإذ قد عزلتم العقل في هذا المقام لم يكن لكم أن تقولوا ان العقل يجد أن لا حكمة تجوز مخالفة العادة . مع أن مخالفة العادة ليس فيها محذور لا تعارضه حكمة بخلاف القبيح كما قلناه « وثانيا » ان دعوى العلم بعادة اللَّه لا تليق إلا من قديم أزلي مطلع على جميع اعمال اللَّه منذ الأزل نفيا وثبوتا لكي يعرف ما صار عادة للَّه وما لم يصر . ومن ذا الذي يزعم أنه ذلك الأزلي المطلع على جميع أعمال اللَّه منذ الأزل . وما هو المانع من مخالفة العادة حتى مع عدم الحكمة . سبحانك اللهم ما أجلى قدسك وكمالك للعقول التي وهبتها لعبادك وأقمت باحكامها عليهم الحجة [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 8 إلى 9 ] ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه وبِالْيَوْمِ الآخِرِ وما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّه والَّذِينَ آمَنُوا وما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وما يَشْعُرُونَ ( 9 ) 8 * ( ومِنَ النَّاسِ ) * أي قوم منهم وهم المنافقون * ( مَنْ يَقُولُ ) * أفرد الضمير باعتبار لفظ « من » * ( آمَنَّا بِاللَّه وبِالْيَوْمِ الآخِرِ ) * والظاهر كما حكي عليه الاتفاق ان المراد منهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون النفاق ومن الشواهد لذلك قوله تعالى فيما بعد وإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ . ذكروا إيمانهم باللَّه واليوم الآخر جمعا لأطراف الإيمان لأن ايمانهم باليوم الآخر متفرع على الإيمان بالرسول والقرآن . ولأجل أن يظهروا في مخادعتهم أنهم يخافون اللَّه وعذاب الآخرة ويرجون نعيم الثواب فهم ملازمون للتقوى من أجل ذلك . ومرادهم من قولهم آمنا انهم ثبتت لهم صفة الإيمان فهم من زمرة المؤمنين ولا يريدون الاخبار بمجرد صدور الإيمان منهم في الماضي والذي يجتمع مع الثبات عليه ومع الارتداد والنفاق بعده ولذا قال اللَّه جلّ شأنه * ( وما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ) * بل منافقون 9 * ( يُخادِعُونَ اللَّه والَّذِينَ آمَنُوا ) * والمخادعة هو ما يسبب الخديعة ويولدها من قول أو فعل والخديعة هو ما يسبب ويتولد من